ابراهيم بن عمر البقاعي
161
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مسخرة على قراءة شعبة ، والتقدير على قراءة الجماعة : سخرناها له حال كونها غُدُوُّها شَهْرٌ أي تحمله وتذهب به وبجميع عسكره بالغداة وهي من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو من إيليا فيقبل بإصطخر وَرَواحُها أي من الظهر إلى آخر النهار شَهْرٌ أي مسيرته ، فهذه آية سماوية دالة على أنه كما رفع بساط سليمان عليه السّلام بما حمل من جنوده وآلاتهم ثم وضعه قادر على أن يضع ما يشاء من السماء فيهلك من تقع عليه ، وهذا كما سخر اللّه الريح للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ طعامهم وتضرب وجوههم بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم اللّه بها ، وكما حملت شخصين من أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما في جبلي طي ، وتحمل من أراد اللّه من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة ، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا اللّه مع أن اللّه تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى . ولما ذكر الريح ، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال : وَأَسَلْنا لَهُ أي بعظمتنا عَيْنَ الْقِطْرِ أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء ، وذلك دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء ، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من عليها ، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة . ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار ، ذكر ما أغلب عناصره النار ، وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال : وَمِنَ أي وسخرنا له من الْجِنِّ أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم مَنْ يَعْمَلُ ولما كان قد أمكنه اللّه منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره قال : بَيْنَ يَدَيْهِ ولما كان ربما ظن ظان أن لهم استبدادا بأعمالهم نفاه بقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِ أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله . ولما قرر سبحانه أن ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره ، زاد ذلك تقريرا بقوله عاطفا على ما تقديره : فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم : وَمَنْ يَزِغْ أي يمل ، من زاغ يزيغ ويزوغ مِنْهُمْ مجاوزا وعادلا عَنْ أَمْرِنا أي عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا نُذِقْهُ أي بما لنا من العظمة التي أمكنا سليمان عليه السّلام بها مما أمكناه فيه من ذلك مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ * أي في الدنيا مجازا وفي الآخرة حقيقة ، وهذا كما أمكن اللّه نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى يتلعب به صبيان المدينة ، ثم تركه تأدبا مع أخيه سليمان عليهما الصلاة والسّلام فيما سأل اللّه تعالى فيه ، وأما الأعمال التي تدور عليها إقامة الدين فأغناه اللّه فيها عن الجن